( كل فتاة بأبيها معجبة )

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

( كل فتاة بأبيها معجبة )

مُساهمة من طرف Admin في الأربعاء مارس 25, 2009 8:16 am


أمسكت دفترها بيديها الصغيرتين

وعيناها مصوبتين نحوي ترجوني إن اعفوها من ذلك الأمر

لكني نظرت لها وقلت : هيا يا منى لطالما استمتعنا بقراءة ما يخطه قلمك

سقطت دمعتها وسط دهشة الجميع

سقطت لتلوث ذلك الدفتر الجميل وتبعثر الحبر الأزرق

أغلقت دفترها ونظرت لي وللطالبات الجالسات أمامها

وقالت : لطالما أحبب هذا الدفتر , ولطالما أحبتتك يا معلمة فاطمة

ولطالما أحببت أنا أقف هنا في المقدمة وسرد ما يجود به قلمي

قلمي الصادق الذي تعود إن يحكي كل الصدق ولا شيء غير الصدق

لكنه هذه المرة كذب

كتبت مالم أشعر به

نمقت كلمات وكلمات ودموعي تنساب كالنهر

كتبت عن أحداث تخيلتها عن أب حنون يجمعنا في أوقات الشتاء حوله ليدفئنا حضنه الدافىء بديلأ عن نار المدفأة

أب يخرج في الصباح ويعود في المساء ورغم تعبه إلا إنه يبادلنا بابتسامة

ويحكي عن عمله وماحدث بمرح

وعندما يستلم الراتب يعود محملاً بالهدايا

ونحن بالبيت نتظر عودته بفارغ الصبر

وعندما يعود يتسابق كلاً منا لسرد قصته قبل الآخر

وننكب فوق كتبنا لندرس بجد لا حباً في الدراسة إنما لندخل السعادة لقبله ونفرح بهداياه الثمينة

أباً يأخذنا بالعيد للحدائق والملاهي

أباً يفرح لفرحنا ويحزن لمرضنا وحزننا

لكنني كذبت فأنا لا أملك هذا الأب

ولكني أملك أب اتمنى موته

اعذروني لوقاحتي

لكنها الحقيقة فانا أشعر بهماً كالجبال عندما يسألني أحد عنه

كما أني اشعر بالتعاسة لالتصاق اسمي بأسمه

إنه سكير عربدي

منذ عرفته وهو لا يمارس سوى مهنة السباب والشتائم

إنه قاسي

وأناني وحقود

لن أنسى ضرباته القاسية بسبب أو بدون سبب

لن انسى كيف إنه أضاع جهدي فبينما أنا اذاكر واكتب

يأخذ هو دفاتري ليستهزىء بما كتبت

لن أنسى بأنه كان يضيع جهد أمي فبينما هي تحيك الملابس لنا

يأتي هو ليأخذ تلك القطعة ليمزقها أرباً وبدون سبب

لن أنسى بأنه من اضاع أخي وسبب في موته

فقد طرده لأنه دافع عن والدتي فخرج أخي محملاً بهمه تائهاً وحيداً ليرتطم بموج البحر يائساً

لن أنسى بأنه كان إن يودي بحياة أختي الصغرى بعد إن حملها وأوقعه من سريرها لأنه ظن إن سجائره قد تكون ضاعة منه في ذلك السرير

لقد تعبت من الكذب لا أريد إن اقول لصديقاتي إن والدي أخذنا لنتسلى في عطلة الأسبوع

أنا اكذب واكذب لأجمله

لم أعد أريده إن يكون جميلاً بنظر العالم

و لا أريد أن ينتقل لقلمي الكذب أريده صافياً نقيا لا مشوهاً ككلماتي عنه

فاعذروني

لا أريد أن اكتب عن فضل الأب

فأنا لم أعرفه

لا أريد أن اقول بأني أحبه لأني اكرهه

لا أريد عن اتلفظ بكلمة بابا لأني أكرهها


تلك كلماتها التي هزت الفصل وفجرته

تلك الكلمات التي جعلتنا نصمت كالحجر

تأملتها طويلاً ثم تأملت الطالبات الباكيات

أشرت لها بالعودة لمكانها ونظرت لي نظرة معاتبة

وكأنها تقول أخبرتك منذ البداية باني لا أريد الخوض في الآمر

لم تسقط دموعي

لكن عقلي كان تائهاً واستيقظ ذلك الشريط الذي أكرهه

رأيته وهو يتحرك وعدت لتخيل وجهه المكفهر

لم يكن سكرياً ولم يكن عربدياً

كان شهيراً بحسن الخلق

وكان يقضي الوقت الطويل في القراءة وبصوت مرتفع

صوته كان يخيفني

لكنها الأوقات الوحيدة التي كنا نسلم منه

كان يأكل وبعد إن ينتهي من غذاءه يحظرنا جميعاً لنتناول بقايا طعامه وهو يتأملنا باشمئزاز

ورغم إن البيت مليء بالغرف إلا إنه كان يجمعنا جميعا ثلاثة بنات وصبيان لننام في غرفة واحدة في وقت الحر دون إن يسمح لنا حتى بفتح النوافذ لتجديد الهواء

وبفتحها في وقت الشتاء بدون لحاف

كان متقشفاً وكم شعرت بالحياء بان مريولي كان هو ذاته لمدة ثلاث سنوات رغم بأني كبرت عليه

وكم كان شعوراً قاسياً عندما كن يتحدثن الفتيات عن أشياء كثيرة لا أعرف عنها شيء

لكني اتصنع الفهم

آه ما أقسى إن تزيف مشاعرك

وتتحدث عن شخص بما لا تريد

أشياء كثيرة مرت بخيالي بعد كلمات منى

تذكرت لحظاته التعسفية

عندما كان يجمعنا وينظر لوجوهنا ثم يقول أنا مسافر

ولا أريد عن يتغير شيئاً بهذا البيت

كنا نقف دون حراك

وننظر للأرض وقلوبنا ترتجف

ترتجف خوفاً منه وفرحة بأننا سنرتاح منه للأيام معدودة

ولكن الفرحة لا تتم فلابد إن يذيقنا طعم العذاب قبل سفره

فينهال علينا ضرباً بسبب وبدون سبب

كنت اتمنى احياناً لو كان سكيراً عندها سأجد مبرر لتصرفاته وسأشفق عليه وربما أحببته

فكم هو شعور قاسي عندما يكره الابن أباه

أنها مسألة صعبة

مسألة يصعب حلها بقانون المثلثات لفيثاغورس

وقوانين الجاذبية لنيوتن

وحتى شعر أحمد شوقي لن يستطيع إن يصف ذلك الشعور

إنه أشبه بالخيانة

خيانة للدين الذي يحثنا على حب الأبوين والحرص عليهم

والدعاء لهم

فكيف بك إذا تحول دعاءك لدعوة سوء

خيانة للفطرة السوية التي توجد منذ الولادة وتحث على حب الأبوين

خيانة للمجتمع الذي يحاول غرس في نفسك كل سلوك حسن

خيانة لذاتك عندما تكذب وتجمل صورة مشوهة

لربما هي أعظم خيانة في الوجود

كلمة كره بحد ذاتها هي كلمة بغيضة فكيف بك إذا شعرت بهاا ......

أمسكت سلوى بيدي فاطمة الجالسة على حافة سرير سلوى بغرفتها المنزلية

فاطمة صديقة سلوى منذ أيام الطفولة

ومن ثم مسحت على شعرها وقالت : فاطمة , أيعقل أنا صديقتك والتي اعتقدت أني أقرب لكِ من الروح للروح اليوم افاجأ بما عانيتي أين كنت أنا كل تلك السنوات

نظرت فاطمة لعيني سلوى المحتبستين بالدموع

وقالت : سلوى , أعرف بأنكِ صديقتي المفضلة , لكن صدقيني هو شعور مر أن تتكلم عن احد أقرباءك بسوء فما بالكِ بمن يكون أباكِ

شعرت براحة بالتكلم لكِ والافصاح عن مشاعر بقيت محتبسة سنين طوال

لم اعتقد يوماً بأني سأبوح بها

وأنا اليوم اطلب مشورتك

قالت سلوى : وكم هو شعور مر إن ترى أحد المقربين لك يعاني , لربما سمعت حديث الكثير من الأشخاص وتعاطفت مع البعض

لكن قلبي لم يهتز ويتفجر بالغضب كما يشعر الآن

وأنا اسمع حكايتك ,

قاطعتها فاطمة : لا تقلقي يا سلوى فأنا قوية ولم يؤثر علي الأمر سلباً أبدا كما ترين , ولكني أريد مشورتك بخصوص منى فهي متغيبة منذ ذلك اليوم

وأنا حائرة حاولت مهاتفتها , لكن زميلاتها قلن بأنها لا تملك هاتف وهي تقيم في قربة بعيدة عن المدرسة

ولا أحد يعرف عنوانها بالضبط

فماذا أفعل ؟؟

نظرت سلوى لفاطمة وقالت : لماذا لم تسألي أدارة المدرسة

فردت فاطمة بيأس : كن أول من طرقت بابهن

أنا خائفة عليها , فلابد أنها تشعر بالإحراج من الطالبات ومني وخصوصا بأن حكايتها أذيعت في كل المدرسة

قالت سلوى : اعتقد إن أفضل الحلول إن تنقل منى من المدرسة لمدرسة آخرى

لأن شبح ذلك اليوم سيظل يلاحقها طالما هي بين جدران تلك المدرسة

أجابت فاطمة : معك حق , ولكن كيف السبيل الوصول لها

والآن يا سلوى اعذريني مضطرة للمغادرة

ردت سلوى معاتبة : فاطمة

فابتسمت فاطمة وقالت : اعلم , في يوم آخر

وخرجت فاطمة من بيت سلوى وشبح الذكريات مازلت معلقة بذاكرتها

...............

بعد عدة أيام جاءت هاجر زميلة منى للمعلمة فاطمة بغرفة المدرسات

طالبة منها محادثتها في أمر مهم

فقالت فاطمة : خير يا هاجر , هل هناك شيء لم تفهميه من الحصة

فقالت هاجر : لا ولكني لدي رسالة من منى لكِ

تغيرت ملامح فاطمة وقالت : أين هي , وأين منى

قالت هاجر : لقد أتت بصحبة والدتها اليوم حيث نقلت لمدرسة قريبة من قريتها وطلبت مني تسليم هذه الرسالة لكِ

أخذت فاطمة الرسالة وفتحتها بتخوف




السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

معلمتي الغالية فاطمة

عذرنا لكِ على ازعاجك والتسبب بالفوضى والتوتر في ذلك اليوم

وتخريب ما هو مخطط له من جو دافىء ومشاعر صادقة وروح محبة

لم أكن أريد فعل ذلك

لكني لا أعرف ما بالي لم أتمكن من الكذب , لربما بأن الصدق هو الأقوى في ذاتي

أريدكِ إن لا تقلقي علي

فالقسوة علمتني إن أكون طيبة وحنوونة

متسامحة وبشوشة

قوية الإرادة وناجحة

صادقة فوق كل الاعتبارات

وذكية في تعاملاتي

معلمتي الغالية لن أنساكٍ

ولن أنسى لحظات الصدق تلك

وداعاً


مسحت فاطمة الدمعة الساقطة من عينيها وطوت تلك الورقة وابتسمت وتمتمت لا خوف عليكِ يا منى

avatar
Admin
Admin
Admin

عدد المساهمات : 318
التميز : 979
السٌّمعَة : 95
تاريخ التسجيل : 04/03/2009

http://bheroo.alafdal.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى